مجزرة حولا 14 أيّار 1948

خاص موقع حولا

في 14 أيار 1948 وعشية الإعلان المشؤوم لقيام الكيان الغاصب على أرض فلسطين هاجمت عصابات الهاغانا بلدة حولا في الساعة العاشرة ليلاً وأول ضحاياها كان الشهيد عبد شبيب شريم حيث استشهد في منزله (قرب مستوصف الصليب الأحمر حالياً) ومن ثم اكملوا جريمتهم بمداهمة منزل الشيخ عبدالخالق مزرعاني (قرب جبانة الشهداء حالياً) فقتلوه وأصابوا السيد محمد ياسين فأردوه شهيداً بالقرب من مسجد البلدة. كانت هذه الجريمة منعطفاً أساسياً في المسيرة الجهادية لأبناء حولا، حيث انهم ومن بعد تلك الجريمة هجروا منازلهم إلى الكروم ليكونوا في مأمن من خطر الإستهداف الصهيوني المباشر لمنازلهم ليلاً وفي النهار يعودوا إلى القرية لمزاولة أعمالهم كالمعتاد. في هذه الأثناء تشكل ”جيش الإنقاذ” من مجموعة من الدول العربية ودخل في صراع مباشر مع الجيش الصهيوني فانضم عدد من شبان البلدة لهذا الجيش إيماناً منهم بعدالة وقدسية قضية فلسطين وخطر الصهاينة ومشاريعهم. اتخذ جيش الإنقاذ من ”تل الهنبل” مركزاً له في بلدة حولا وقدم له الأهالي الدعم اللازم والمتيسر فكانت النسوة تعد الطعام لهم ويزودونهم بما تيسر من الغلال والتموين وبلغ عدد شبان البلدة المنضوين تحت لواءه حوالي 40 شاباً شاركوا ببسالة في معركة تحرير العباد التي أدت إلى مقتل عشرات الجنود من الصهاينة. اعتبر جيش العدو ان بلدة حولا هي المسؤولة عن معركة العباد لدعمهم ”جيش الإنقاذ” بالعدد والعدة وقرروا الإنتقام من أهالي البلدة عند اول فرصة سانحة، ولم تتاخر هذه الفرصة بعد الإنسحاب المفاجئ والمثير للجدل لجيش الإنقاذ الذي انسحب باتجاه عيترون وتبنين تاركاً البلدة بلا أية حراسة او حتى قطعة سلاح فيما أسماه قائد جيش الإنقاذ وقتها بأنه ”إعادة تموضع”. أحس أهالي البلدة بالخطر المحدق بهم من جهة الشرق وسارعوا باتجاه جيش الإنقاذ لكن دون جدوى، فاتجه وفد من البلدة باتجاه أحمد الأسعد الذي وعدهم بجيش ”يوغوسلافي” لحمايتهم دون تحديد وقت لذلك. صبيحة يوم الجمعة 31 تشرين الأول 1948 كان أهالي البلدة كالعادة منذ عدوان أيار 1948 ينامون في الكروم خارج البلدة (الكساير، الساقية، السلم وغيرها)، حين لاحظوا جيشاً يتجه صوبهم من ناحية الشمال (قرية مركبا) وأغلب أفراده يرتدون الزي العربي وانقسم هذا الجيش إلى قسمين واحد إتجه لجهة (الكساير والحارة الشمالية) وقسم آخر باتجاه ”بركة الحجر”، انطلت الخدعة على اهالي البلدة فاعتقدوا انه جيش عربي جاء لحمايتهم وسارعوا لملاقاتهم، لكن سرعان ما اتضحت الحقيقة الرهيبة وهي أن الجميع وقع في مكمن صهيوني محكم، حيث أخذ الصهاينة يعتقلون كل من صادفوه من نساء ورجال وأطفال وشيوخ وفتشوا المنازل بحثاً عمن اختبأ وهم قلة لأن صرخات الإنذار التي أطلقها بعض الأهالي ممن اكتشف حيلة اليهود كانت متأخرة فقد وقع في يدهم أكثر من 200 من أبناء البلدة. شكلت عصابات الهاغانا النواة الرئيسية للمجموعة التي هاجمت بلدة حولا بالإضافة إلى عصابات الشتيرن وبعض المتطوعين اليهود وكان على رأسهم الإرهابي ”مناحيم بيغن” وكانت الاوامر المعطاة لهم مشددة وواضحة ”أقتلوهم جميعاً”. أول ضحاياهم كان الشهيد السيد جواد الأمين حيث قتلوه فور مشاهدتهم له في الحارة الشمالية وهو صاحب حقول وأملاك في المنارة فقد عرفه ناطور المنارة ”ابراهيم” الذي كان يعرف العديد من أبناء بلدة حولا. فصلوا النساء والأطفال وحاصروهم قرب منزل حسن محمد مزرعاني في وسط البلدة وقسم آخر في بركة الحجر (لم يكن فيها ماء). أما الرجال فقسمهوم إلى فئتين : الفئة الأولى هي الشبان وقد أدخلوهم منزل علي محمد أيوب وأطلقوا النار عليهم جميعاً ثم نسفوا المنزل على رؤوسهم، والفئة الثانية هي الرجال والشيوخ وأدخلوهم إلى منزلي فارس مصطفى وحسين عبدالله يونس وأمروهم برفع أيديهم إلى أعلى وأعدموهم. في هذه الأثناء كان النسوة والأطفال يعانون أشد انواع العذاب النفسي والعطش والجوع واستمر الوضع على هذه الحال حتى اليوم التالي حين تدخل مراقبوا الهدنة (أمم متحدة) واخلوا سبيلهم، بعد أن رافقهم الصهاينة حتى (الأرقاف) وأمروهم بالتوجه باتجاه مجدل سلم وعدم العودة إلى حولا مجدداً. وقد نجا من هذه المجزرة الرهيبة كل من محمد سليمان ثم ما لبث ان استشهد في مستشفى صور متأثراً بجراحه، ومنصور مصطفى وقد توفي سنة 1973 وحسين رزق (أبو فهد) وقد ظل حياً حتى شهر شباط 2005، ونجا أيضاً شخص من بلدة قبريخا من آل سلوم. وقد أسهب الناجون في شرح أهوال وفظاعات العدو في ذلك اليوم المشؤوم. وقد نزح معظم اهالي البلدة واسكنوا بيوتا من الصفيح في مخيم في ضبيه ومكثوا هناك ستة اشهر في ظروف صعبة للغاية ولم يكن هناك من يقدم لهم أي مساعدة حتى عادوا في أوائل أيار 1949 بعد فترة من توقيع اتفاق الهدنة بين لبنان والكيان الصهيوني. ليجدوا منازلهم خرابا فقد دمر العدو العديد من الوحدات السكنية وسرق كل أغلالهم ومحاصيلهم ومقتنياتهم ولم يكن امامهم سوى أن يستلفوا أموالاً من مرابين من القرى المجاورة حتى يقوا انفسهم واهليهم الجوع ولشراء مواشي وبذار للموسم الجديد. حيثيات وقوع المجزرة يروي شهود عيان نجوا من المجزرة الوحشية التي ارتكبها الصهاينة في بلدة حولا. فيقول احدهم :”في 31/10/1948 حدث ما لم يكن في الحسبان، ففوجئنا بجيش يطوق البلدة ويرتدي بعضه الزي العربي ”الكوفية والعقال” والاكثرية الساحقة من هذا الجيش آتية من جهة الشمال من ناحية قرية مركبا وكانت الساعة حوالي السادسةصباحا فاعتقد اهالي البلدة ان جيش الانقاذ قد عاد من جديد. واول من استقبلهم بسلاحه المرحوم ”كامل الحاج خليل علي حسين” ووصل شمالي ”بركة الحجر” بحوالي مائة متر أيفي اول ”التلة” المؤدية لوادي البياض فالتقى بهم واعتقلوه على الفور وكان خلفه العديد من ابناء البلدة وبدأوا يوقنونانهم جيش ”اسرائيلي، اولا من لهجته وثانيا لان بعض شباب البلدة ممن كانوا يعملون في حيفا وعادوا حديثا يتقنونبعض عبارات اللغة العبرية. عندها توقفوا وبدأوا بالتراجع قدر الامكان بعد ان اعتقل الصهاينة بعضا منهم وكل من افلت من الطوق اخذ يصرخعلى مدى صوته. . . يهود. . . يهود اهربوا. وبالفعل بدأ الناس يخرجون مع مواشيهم والعصابات الصهيونية تعتقلكل من يقع في قبضتها نساء ورجالا. . يحيي أهل البلدة ذكرى المجزرة الأليمة في كلّ عام استيقظت في ذلك اليوم وذهبت الى الساحة مثل غيري وعندما وصلت الى ”البستان” (قرب النادي الحسيني حالياً) التقيت بأحد أقاربي وهو يصرخ : ”الرحيل. . . الرحيل انهم يهود وقد فهمت لغتهم وهم يتكلمون العبرية”. فعدتادراجي الى المنزل مع اخي، وقال لنا الوالد اذهبوا بابقارنا الى شقرا، فذهب شقيقي وشقيقتي الصغيرة التي لم تبلغالثالثة سنوات وكذلك والدتي ذهبت عن طريق اخر طريق ”الوسيطة. وانا ووالدي وشقيقتي الاخرى خرجنا من البيتوحملنا معنا سطلا من الحليب وبعض الخبز وجلسنا تحت ”زيتونة عرابي” نتقصى الاخبار وكانت الساعة الثامنة صباحافقالت شقيقتي وهي لم تبلغ الخامسة من عمرها أريد ”عروستي” فرفض والدي الاستجابة لطلبها لكنها لم تقتنع، فاتجهوالدي نحو المنزل بناء على إصرارها وسمعت فيما بعد طلقات رشاش محدودة حول بيت شحادة قطيش فعلمت ان الجيش الاسرائيلي” وصل الى هناك من جهة القرقاف والتقى بالمرحومين السيد جواد الامين واحمد بعلبكي فعرفهما ابراهيم اليهودي ناطور المنارة وهو في عداد الجيش ”الاسرائيلي” فاخبر العصابات الصهيونية بذلك وقتلا على الفوروهما اول شهيدين للمجزرة. لم يمض وقت قصير على غياب والدي حتى عاد الى حيث تركنا في ”الدير” وكان يمر من حولنا ابناء البلدة فرادىومجموعات وهم يبحثون عن امكنة آمنة بين الصخور. وفجأة تقدم الصهاينة نحو الدير من جهة البستان ”ووصلوا الى بيت المرحوم الحاج محمد حسن موسى مصطفى واخذوايطلقون النار بشكل عشوائي وبالأخص نحو”الدير” و”رأس المطل” حيث تجمع حشد كبير من أبناء البلدة وكانتالساعة في هذه الأثناء حوالي العاشرة صباحا فاتجهنا مع البقية الفارين نحو رأس المطل وبعد نصف ساعة سمعنا انفجاراضخما في البلدة يهز المنطقة وعرفنا فيما بعد ان مجموعة من الشباب الذين وقعوا في الاسر ادخلوا الى غرفة المرحومفارس حسين موسى مصطفى واطلقوا النار عليهم وتم تدمير المنزل فوقهم. لم يمض نصف ساعة على الانفجار حتى وصلت العصابات الصهيونية الى الدير وتمركزت حول بيت المرحوم الحاجاحمد حجازي وزاد اطلاق النار خاصة نحو رأس المطل فشعرت الناس بالخوف وتناثر عقدهم ولم يبق شخص من الاخروالصراخ يملأ الاثير مثل يوم القيامة فلا ام مع ولدها ولا زوج مع زوجته ولا رفيق مع رفيقه وشعر الجميع انالصهاينة يريدون ابادة حولا عن بكرة ابيها وما زال نحيب الامهات والاطفال الرضع وصرخات العذارى صداه في اذنيلانه شريط محزن يعكس بربرية العدو وهمجيته التي لا مثيل لها في عالم الابادة منذ وجد الانسان على الارض. لم يعد امام الناس سوى الرحيل وترك ارض البلدة الى البلدات المجاورة بعد ان فقدوا امل الرجوع بسبب تصرفات الغزاة. ولم ينته فيلم الابادة عند هذا الحد بل ازداد ضراوة عند وصول العدو الى رأس المطل واصبح الجميع تحتنيران اسلحته واذكر انني وصلت مع والدي وشقيقتي الى ”جلالي الفوعاني” في الوسيطة ووجدنا والدتي هناك مع حشدكبير يلوذ بين الصخور طلبا للنجاة واصوات البكاء والعويل تصم الاذان. حيث لا احد يعرف عن اهل بيته شيئا، وبقينا هناك والرصاص مستمر بالهطول كالمطر الغزير وحوالي الساعة الثانية عشر علت اصوات النحيب وعلمت انالمرحومة ”آمنة الغني” قد اصيبت ولم يكن بالامكان انقاذها فنزف دمها وفارقت الحياة وجعلها العدو هدفا يرمي علىكل من يقترب منها. . . وصلنا الى شقرا قبل مغيب الشمس اما والدتي فقد سلكت طريق خلة النبعة وصادف مرورها قرب المرحوم حسنمحمد خليل ايوب وهو مثخن بالجراح ويستغيث دون معين فتقدمت منه والدتي ولم تستطع ان تقدم له شيئا وقد جعلهالعدو هدفا فقال لها وهو يضم يده نحو بطنه مكان الاصابة انجي بنفسك ودعيني. . . عند المساء وصلت والدتي الينا واجتمع شمل العائلة بعد رحلة العذاب والالم. في اليوم التالي بدأت خيوط المجزرة تتضح اولا باول حيث وصل العديد من النساء الذين اطلق سراحهم وكثير منالرجال الذين ظلوا داخل الطوق واختبئوا في امكنة وسلموا من الموت المحقق وشاهدوا طبيعة المأساة الرهيبة ورووا تفاصيلها بحسرة وألم. في ذلك اليوم المشؤوم دخل العدو واخذ يعتقل كل من صادفه في طريقه رجالا ونساء على حد سواء وكان على رأسهذا الجيش الغازي فرقة ”الهاغانا” بقيادة السفاح بيغن. قد وضعوا النساء في بيت المرحوم حسن محمد سعيد مزرعاني واطلق سراحهم في اخر النهار في اليوم الثاني للاعتقال. اما الشباب فاول مجموعة وضعت في بيت المرحوم فارس حسين مصطفى واطلق النار عليهم فردا فردا ونسف المنزلعليهم وبالرغم من هذا نجا اثنان هما الحاج حسين محمد ظاهر واستطاع ان يصبر على آلامه ويزحف عن طريق القرقافووصل الى المجدل وتمثل للشفاء، والثاني هو المرحوم محمد الشيخ عبدو سليمان استطاع ورغم نزيفه ان يزحف ليلا نحوالقرقاف وعلى بعد امتار من البركة لم يعد يستطيع التقدم لان بطنه كانت مصابة بعدة عيارات نارية فصادف مرورالمرحوم شبيب قطيش من هناك حيث كان مختبئا في بيته وسنحت له الفرصة بالهرب ليلا فطلب منه المساعدة فحملهواوصله وذهب الى المجدل والدم ينزف منه ولم يعد يستطيع حمله فتركه هناك وذهب الى المجدل واخبر بذلك فنزلالاهالي الى الوادي وحملوه الى المجدل، من هناك حيث لا اسعافات اولية، ارسل الى مستشفى صور ولكن بعد فواتالاوان حيث نزف وفارق على اثره الحياة. اما المجموعة الثانية ومؤلفة من كبار السن فتم وضعها في بيت المرحوم علي محمد الحاج ايوب وبدون تأخير تم اطلاقالنار عليهم فردا فردا ولم ينسفوا البيت عليهم وبقوا يحرسونهم طول النهار ورغم هذا بقي المرحوم منصور مصطفى حياواستطاع رغم اصابته ان يزحف في الليل عن طريق ”الساقية” وهاتان المجموعتان دفنتا في خندق واحد من الجهة الغربيةلمنزل المرحوم فارس حسين مصطفى. اما المجموعة الثالثة ومؤلفة من متوسطي الاعمار فقد وضعت في بيت المرحوم حسين الحاج عبد الله يونس واطلق النارعليها فردا فردا وحفر خندق في البستان ودفنوا به وخرج حيا من هذا البيت شخص من قبريخا، كان موجودا فيالبلدة عند الهجوم وسلم من الموت. وهؤلاء الناجين من المجزرة من كل مجموعة، شهدوا للناس وامام الله على التتار الجدد، آكلي لحوم البشر الذين خلتقلوبهم من الرحمة وتحجرت حتى اصبحت جمادا لقسوتهم وفظاعتهم وعلى سبيل المثال ما حصل مع حسن واخيه توفيقدغمان وعندما اعتقلهم العدو وعرفهما شقيقين فقال لهما نريد ان نقتل احدكم فتخيروا، وكل واحد منهم قال اقتلونيانا واتركوا اخي فقتل الاثنين معا وهذا ما نقلته النسوة اللواتي كنا على مقربة منهما، وحوادث كثيرة تقشعر لهاالابدان لما فيها من الحقد والعنصرية التي طبعت خصائل الصهيونية. وعاد المواطنون الى منازلهم فوجدوها خرابا يبابا، فنصبت الخيم على اطلال البيوت وبدأت بترميمها، واول خطوة قام بهااهالي البلدة هي شراء قطعة ارض من ملكية محمد رشيد ايوب فقاموا بتأهيلها لاستقبال جثث الشهداء المطمورة فيمقبرتين جامعتين كما اشرت سابقا. وساعدت الدولة في نقل جثث الشهداء الى مثواهم الاخير المعروف اليوم ”بتربة الشهداء. ومهما غصت في معاني الكلام، فلا شيء يعبر عن الالم والمرارة ساعة عودتنا الى البلدة حيث سيطر جو الحزن على هذهالمذبحة المريعة ومن لم يتمزق غيظا ومرارة على ما فعله العنصريون البرابرة بحق حولا البطلة التي رفضت الذل والهوانعبر تاريخها الطويل، فلم تنحن الا لله خالق هذا الكون واحدا احدا، ما عساي اتذكر في تلك الساعة الرهيبة، فكانت الاطفال تصرخ والرجال تستغيث والنساء يلطمن الوجوه والجميع يسير على غير هدى لا يعرفون طريق. فكانت النسوة يقمن حلقات النويح والبكاء على أشلاء الضحايا في خنادقهم ويندبن قتلاهن ويبحثن بين الانقاض عسىان يجدن بعضا منهم احياء من شدة وجدهن وفقدانهن الصواب. ولا تسمع في تلك الساعة سوى النحيب والبكاء علىالدماء المراقة وما زالت الارض تحتفظ بذكرى شهدائها وتشير الى الجناة المعتدين وما زالت سفوحنا ووهادنا تختزن هذاالدم البريء في اعماقها ليكون شاهدا على البرابرة الطغاة. وبعد ثلاثة ايام من عودتنا الى البلدة بدأت وفود من القرى المجاورة تأتي لتشهد على بصمات العدو وممارساته. وقد ارسلت الدولة اللبنانية فريقا طبيا يشرف على نقل اشلاء الضحايا الى تربة الشهداء في جو مأساوي، وبدأت الناسبترميم منازلها المهدمة وقد قررت الدولة ما مجموعه اثنان وسبعون الف ليرة كمساعدة للمنكوبين. فقدمت عن كلشهيد مبلغ ثلاثمائة ليرة فاحتج الاهالي ولكن لا حياة لمن تنادي. وقد قرر الاهالي اقامة احتفال تكريمي لشهدائهم فيمسجد البلدة حضره العديد من الادباء والشعراء. . و في رواية للشهيد الحي ”أبو فهد” يقول : في ذلك اليوم المشؤوم ظننت مع كثرة من ابناء البلدة ان الداخلين إلى البلدة من شمالها هم من ”جيش الإنقاذ” الذي خلّف في عصابات ”الهاغانا” خسائر فادحة قرب ”العباد” ولأننا كنا ننتظرهم بفارغ الصبر خصوصاً ان البلدة كان تعيش في عز انتصارها للقضية الفلسطينية وتدرك خطر التوسع الصهيوني ركضنا صوبهم، فعدنا امامهم أسرى ليجمعونا بعدها في الساحة وقرب البركة وقسمونا فرقاً ثلاثة، أنا ورفاقي اخذونا إلى بيت فارس حسين مصطفى، بعد نحو عشر دقائق أتى أحدهم وقال ”ديروا وجوهكم صوب الحيط” ورشنا، كنا 18 شاباً أصبت في فخذي ثم يدي ووقعت مع الجميع على الأرض، بعدما ذهبوا فتحت عيني ولم أر غير الظلمة. بعد قليل فجروا الغرفة علينا ونزل جسر خشبي علي فأغمي علي ولما أفقت وجدت إلى جانبي محمد الشيخ عبد سليمان، ساعدني وساعدته، كان هو الآخر مصاباً، وبصعوبة كبيرة استطعنا الهروب من الرصاص الذي اطلق علينا في اكثر من مكان وكرم حتى وصلنا إلى خراج البلدة ومنها نقلنا إلى المستشفى في صور حيث إستشهد زميلي متأثراً بجراحه وعلمت أن الإسرائيليين قتلوا أكثر من ثمانين شخصاً من أبناء البلدة.